المناوي

421

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وتطيّب ، ولبس ثيابا جددا ، وتعمّم ، وقعد على منصّة بخضوع وخشوع ووقار ، ويبخّر المجلس من أوّله إلى آخره بعود أدبا مع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بلغ من تعظيمه له أنّه لدغته عقرب ، وهو يحدّث ستّ عشرة مرّة ، فصار يصفرّ ويتلوّى ، حتى تمّ المجلس ، وتفرّق النّاس ، وقال : صبرت إجلا لا للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان ربّما يقول للسّائل : انصرف ، حتى انظر . فقيل له فيه ، فبكى وقال : أخاف أن يكون لي من السّائل يوم ، وأيّ يوم . وكان إذا أكثروا سؤاله كفّهم وقال : حسبكم ، من أكثر أخطأ ، ومن أحبّ أن يجيب عن كلّ مسألة فليعرض نفسه على الجنّة والنّار ثم يجيب ، وقد أدركناهم إذا سئل أحدهم فكأنّ الموت أشرف عليه . وسئل عن ثمان وأربعين مسألة ، فقال في اثنتين وثلاثين : لا أدري . وقال : ينبغي للعالم أن يورّث جلساءه ( لا أدري ) ليكون أصلا في أيديهم يفزعون إليه . وكان إذا شكّ في الحديث طرحه ، وإذا قال أحد : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبسه بالحبس ، وقال : تصحّح ما قاله ، ثم تخرج . وكان يقام بين يديه الرّجل كما يقام بين يدي الأمراء . وكان شديد التمسّك بالسّنّة ، وكثيرا ما ينشد : وخير أمور الدّين ما كان سنّة * وشرّ الأمور المحدثات البدائع وناهيك بقول الإمام أحمد رضي اللّه عنه فيه : إذا رأيت الرّجل يكرهه فاعلم أنّه مبتدع . وألّف « الموطّأ » في أربعين سنة ، فأكثر النّاس من عمل الموطّآت ، فقيل له : شغلت نفسك بعمله ، وقد أشركك النّاس فيه . فقال : لتعلمنّ ما أريد به وجه اللّه ، فكأنّما ألقيت تلك الموطّآت في الآبار « 1 » . وكان يقول عند قيامه : ما شاء اللّه ، ولا قوّة إلّا باللّه .

--> ( 1 ) الخبر في ترتيب المدارك 1 / 195 مع زيادة .